ابن الأثير

336

الكامل في التاريخ

فإنّ صاحبها وعساكره ، وعامّة بلاده وفلّاحيها ، لا يسلّمونها إلينا ، ويقاتلوننا دونها ، ويحملهم الخوف منّا على تسليمها إلى نور الدين ، ولئن أخذها وصار له فيها مثل أسد الدين ، فهو هلاك الفرنج وإجلاؤهم من أرض الشام ، فلم يقبلوا قوله ، وقالوا له : إنّها لا مانع فيها ولا حامي ، وإلى أن يتجهّز عسكر نور الدين ، ويسير إليها ، نكون نحن قد ملكناها ، وفرغنا من أمرها ، وحينئذ يتمنّى نور الدين منّا السلامة . فسار معهم على كره وشرعوا يتجهّزون ويظهرون أنّهم يريدون قصد مدينة حمص ، فلمّا سمع نور الدين شرع أيضا بجمع عساكره ، وأمرهم بالقدوم عليه ، وجدّ الفرنج في السير إلى مصر ، فقدموها ، ونازلوا مدينة بلبيس ، وملكوها قهرا مستهلّ صفر ، ونهبوها وقتلوا فيها وأسروا وسبوا . وكان جماعة من أعيان المصريّين قد كاتبوا الفرنج ، ووعدوهم النصرة عداوة منهم لشاور ، منهم ابن الخيّاط ، وابن فرجلة « 1 » ، فقوي جنان الفرنج ، وساروا من بلبيس إلى مصر ، فنزلوا على القاهرة عاشر صفر وحصروها ، فخاف النّاس منهم أن يفعلوا بهم كما فعلوا بأهل بلبيس ، فحملهم الخوف منهم على الامتناع ، فحفظوا البلد ، وقاتلوا دونه وبذلوا جهدهم في حفظه ، فلو أنّ الفرنج أحسنوا السّيرة في بلبيس لملكوا مصر والقاهرة ، ولكنّ اللَّه تعالى حسّن لهم ما فعلوا ليقضي اللَّه أمرا كان مفعولا . وأمر شاور بإحراق مدينة مصر تاسع صفر ، وأمر أهلها بالانتقال منها إلى القاهرة ، وأن ينهب البلد ، فانتقلوا ، وبقوا على الطرق ، ونهبت المدينة وافتقر أهلها ، وذهبت أموالهم ونعمتهم قبل نزول الفرنج عليهم بيوم ، خوفا أن يملكها الفرنج ، فبقيت النّار تحرقها أربعة وخمسين يوما . وأرسل الخليفة العاضد إلى نور الدين يستغيث به ، ويعرّفه ضعف المسلمين

--> ( 1 ) . ابن قرحلة . A